قطب الدين الراوندي
378
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
يتنسمون بدعائه روح التجاوز ، رهائن فاقة إلى فضله ، وأسارى ذلة لعظمته جرح . طول الأسى قلوبهم ، وطول البكاء عيونهم ، لكل باب رغبة إلى اللَّه منهم يد قارعة ، يسألون من لا تضيق لديه المنادح ، ولا يخيب عليه الراغبون . فحاسب نفسك لنفسك ، فان غيرها من الأنفس لها حسيب غيرك . ( ومن كلام له عليه السلام ) ( عند تلاوته « يا أَيُّهَا الإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ » ) أدحض مسؤول حجة ، واقطع مغتر معذرة ، لقد أبرح جهالة بنفسه . يا أيها الانسان ما جرأك على ذنبك ، وما غرك بربك ، وما آنسك بهلكة نفسك . أما من دائك بلول ، أم ليس من نومك ( 1 ) يقظة . أما ترحم من نفسك ما ترحم من غيرها فلربما ترى الضاحي لحر الشمس فتظله ، أو ترى المبتلى بألم يمض جسده فتبكي رحمة له . فما صبرك على دائك ، وجلدك على مصائبك ، وعزاك عن البكاء على نفسك وهي أعز الأنفس عليك . وكيف لا يوقظك خوف بيات نقمه وقد تورطت بمعاصيه مدارج ( 2 ) سطواته ، فتداو من داء الفترة في قلبك بعزيمة ، ومن كرى الغفلة في ناظرك بيقظة ، وكن للَّه مطيعا ، وبذكره آنسا ، وتمثل في حال توليك عنه اقباله عليك ، يدعوك إلى عفوه ويتغمدك بفضله ، وأنت متول عنه إلى غيره . فتعالى من قوي ما أحلمه ( 3 ) ، وتواضعت من ضعيف ما أجرأك على معصيته ،
--> ( 1 ) في ب ، الف ، نا : من نومتك . ( 2 ) في : في معارج . ( 3 ) في ب « ما أحكمه » وفي الف ، نا ، يد « ما أكرمه » .